فواصل كردية: في أسئلة السياسة لدى الأكراد (3 من 3)
/ورقة للمناقشة/
عقيل محفوض
قابلية التدخل؟
تركز الدراسات المتعلقة بالشأن الكردي على دور البيئة الدولية والإقليمية في التشكل الراهن للأكراد، وتتجاهل دور البيئة الداخلية (العامل الذاتي) لديهم، وعلى هذا فإن تفحص الحال الكردي يتطلب النظر في متغيرات البيئة الداخلية، النسيج الاجتماعي والسياسي، وتشكلات القوى وأنماط العلاقات البينية وتجاذباتها ومنافساتها واتجاهات التفكير إلخ إن التوصل إلى عمق المعرفة بالشأن الكردي يتطلب البحث في مجمل العوامل الذاتية والغيرية، الذاتية أولاً، لأنها تمثل "الشرط اللازم" لتأثير العوامل الغيرية بما يمكن أن نسميه "قابلية التدخل". إن كل ذلك يتطلب "إرادة حارة" وجرأة أدبية وعلمية، وتوسل أدوات معرفية ونقدية قادرة على تفكيك الحال الكردي والحفر عميقاً في طبقات وتشكلات الثقافة والسياسة الكردية. ولا بد من التنبه إلى ضرورة إعادة النظر في قضايا التفكير الكردي المعاصر والعمل على اختبار مسلماته وبداهاته السياسية في المقام الأول والعمل الكردي المشترك على "تحديد" جدول أعمال "متفق عليه" يعمل الأكراد وأصدقاؤهم من أجله.
ويمثل هاجس إعادة النظر في البحوث الكردية، والتركيز على العوامل الذاتية للأكراد، كما ذكرنا، واحداً من أهم أهداف هذا النص الذي لا يدعي أكثر من كونه محاولة (أولية) لطرح مسألة يفترض أنها بالغة الحساسية ولكن الدراسات الكردية، حتى الآن، لم تشتغل عليها بصورة معقولة أو هي تتجاهلها أو تتنكر لها… وسوف نقترح، هنا، مدخلاً نفترض أنه موائم لتشخيص الحال كمقدمة للعمل على تقديم مشروع إجابة بصدد بعض الأسئلة الكبرى في الحياة السياسية للأكراد.
الاغتراب السياسي:
ذكرنا من قبل أن ثمة متخيلان يعيقان الإدراك والإدراك المتبادل بين الأكراد وجيرانهم، وبين الأكراد أنفسهم، ونتسائل عن علاقة الثقافة السياسية بالواقع السياسي للأكراد، هل هما متطابقان أم متفارقان؟ لا شك أن علاقة الفكر بالواقع، علاقة إشكالية في مجتمعات الشرق الأوسط، على أن الحالة الكردية تبدو أكثر موائمة كموضوع متميز للبحث والتقصي: هل تعبر السياسة ومنظروها عن هواجس الناس ومطالبهم؟ هل تلامس الحزبيات السياسية والقيادات العشائرية وغيرها حاجات ومطامح الناس؟ ومتطلبات الإنجاز القومي والاجتماعي؟ تفتح الأسئلة المجال للنقاش في ثلاثة مستويات على الأقل هي:
المستوى الإيديولوجي: ويرتكز على المأمول القومي ومفردات الحشد الاجتماعي والفرز الحزبي والحركية العامة للناس.
المستوى السياسي: ويرتكز على اتجاهات السياسة وحزبياتها وقياداتها والسجال الدائر بينها.
المستوى الثالث: هو المستوى المعرفي أو النظري ويتطلب بُعداً تحليلياً ويسعى للخوض في عمق قضايا التشكل القومي ومشروعات التجديد السياسي والثقافي والتماسك الاجتماعي إلخ
وإذا كانت الثقافة الكردية تركز على المستوى الأول كونها (على تعددها) تهجس في قضايا السياسة أولاً، القضايا "الثابتة" التي تدور في حلقة مفرغة حتى الآن، فإنها بذلك لا تستطيع أن تحقق معرفة مطابقة للواقع، وهذا يعني أن السياسة والثقافة الكرديتان مأزومتان وتعانيان حالة اغتراب "مزمنة" بشكل فصام (شيزوفرينيا) بين الخطاب والمأمول السياسي والثقافي وبين الواقع، كما تتسم بطابع سجالي وبعقائدية زائدة، خاصة في السجال الكردي – الكردي، وقد تجد نصوصاً "إيديولوجية" ولكن بسمات "بلاغية" أو "بيانية" أحياناً على طريقة إعلانات "مارلبورو" أو "كوكا كولا" أو "حماسية" على طريقة الشعراء والزَّجَّالين ولكن من دون ذائقة فنية أو جاذبية أو قابلية تلقي معقولة. وعلى الرغم من أن الحزبيات السياسية تتفاوت في مدى العمق المعرفي والسياسي، وفي التعبير عن طموحات وآمال الأكراد، وفي مدى الانفصال أو الاقتراب من الواقع، إلا أنها بصفة عامة تتسم بتضخيم الجانب الإيديولوجي وإهمال الجانب المعرفي المؤسس على تفحص وتشخيص معمق لواقع الحال، وأيضاً إهمال الجانب السياسي – على عك






















